عبد الملك الجويني
94
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومنهم من قال : لا يقلد . واختيار المزني أنه يقلد ، وقد استدل بنص الشافعي ؛ حيث قال : " ومن خفيت عليه الدلائل ، فهو كالأعمى " فقد جعل الشافعي فيما ظنه المزني من خفيت عليه الدلائل كالأعمى ، والأعمى يقلد ، فليقلد من خفيت عليه الدلائل . فقيل له : لا يمتنع أن يكون المعنى من تشبيهه بالأعمى أن يصلي كيف يتفق ، كالأعمى الذي لا يجد من يقلده ، فإنه يصلي لحقِّ الوقت كيف يتفق ، ثم يقضي إذا وُجد من يسدّده . ووجه من لا يرى التقليد : أن البصير إذا توقف لحظة ، لم يخرج عن كونه عالماً بالأدلة ، والفترات قد تطرأ ، والقرائح قد تتبلّد ، فلو قلّد ، لكان عالما مقلداً عالماً . ثم الاختلاف الذي ذكرناه ، في ضيق الوقت ، وخشية الفوات ، فأما إذا أراد أن يقلد أول الوقت ، أو وسطه ، فلا سبيل إليه ؛ إذ لا حاجة ، والتقليد إنما يقام مقام انقطاع النظر عند الحاجة . فإن قيل : إذا جوّزتم إقامة الصلاة بالتيمم في أول الوقت - مع العلم بأن المسافر قد ينتهي إلى الماء في آخر الوقت - فهلاّ جوّزتم التقليد في أول الوقت ؛ لإدراك فضيلة الأولية ؟ قلنا : إنما جوزنا التيمم على قولٍ ؛ من جهة أن الماء في مكان التيمم مفقود ، وأما إذا توقف العالم ، فهذا تردُّدٌ من ناظر ، فلا نجعل هذا بمثابة عدم العلم والنظر رأساً ، وفي المسألة - على الجملة - نوع احتمال . ثم إذا جوزنا له أن يقلد ، فقلَّد وصلى ، صحت صلاته ، ولا يلزمه القضاء ؛ فإنا نزّلناه منزلة الأعمى في تقليده . وإن قلنا : ليس له أن يقلد ، فقد قال شيخي : يصلي على حسب حاله ، ثم إذا انجلى الإشكال ، يصلي ويقضي ( 1 ) . ويحتمل أن يقال : يقلد ويصلي بالتقليد ، ثم يقضي إذا زال الإشكال ، ويكون هذا بمثابة ما إذا تيمم في الحضر عند عدم الماء فيه ، فقد نقول : يلزمه القضاء ، ثم
--> ( 1 ) أي يصلي ويقضي ما صلاه على حسب حاله ، قبل انجلاء الإشكال .